حكم من أهله… وحكم من أهلها

هل ما زال دور العائلة مهمًا في الزواج؟

في عصرنا الحالي الذي يتسم بالفردية والاستقلالية، يميل الكثير من الأزواج الشباب إلى إبعاد عائلاتهم تماماً عن تفاصيل حياتهم الزوجية، خاصة في أوقات الخلافات والأزمات. ورغم أن الحفاظ على أسرار البيت أمر مطلوب ومحمود، إلا أن هناك لحظات حرجة قد تصل فيها العلاقة بين الزوجين إلى طريق مسدود، ويصبح التدخل الخارجي الحكيم ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هنا يبرز التوجيه القرآني العظيم: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا”. فهل ما زال هذا المنهج الإلهي صالحاً وفعالاً في واقعنا المعاصر؟

فلسفة التحكيم العائلي في الإسلام

لم يشرع الإسلام تدخل الأهل في حياة الزوجين كأول خطوة عند حدوث أي خلاف بسيط. بل جعله الحل الأخير عندما يُخشى “الشقاق”، أي الخلاف العميق الذي يهدد بانفصال العرى وتدمير الأسرة. اختيار الحَكَمين من “الأهل” له حكمة نفسية واجتماعية عميقة. فالأهل هم الأقرب للزوجين، والأكثر حرصاً على مصلحتهما وسمعتهما، وهم الأقدر على تفهم طبائعهما وخلفياتهما.

التحكيم ليس محاكمة أو بحثاً عن منتصر ومهزوم، بل هو محاولة جادة للإصلاح وتقريب وجهات النظر. “إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا”. النية الصادقة للإصلاح من قبل الحكمين، ومن الزوجين أنفسهما، هي مفتاح النجاح في هذه العملية الدقيقة.

شروط الحَكَم الناجح

لكي يؤدي التحكيم دوره الإيجابي، يجب أن تتوفر في الحكمين شروط أساسية، أهمها: العقل، والحكمة، والعدل، والحياد، والقدرة على كتمان الأسرار. التدخل العشوائي من قبل أفراد العائلة غير المؤهلين، أو الذين تحركهم العاطفة العمياء والتعصب لابنهم أو ابنتهم، يؤدي غالباً إلى تفاقم المشكلة وتحويلها من خلاف زوجي محدود إلى صراع عائلي واسع النطاق.

إذا لم يتوفر في الأهل من يمتلك هذه الصفات، فلا مانع من الاستعانة بحكمين من خارج العائلة، ممن يُشهد لهم بالصلاح والخبرة في الإصلاح الأسري، كالمستشارين الأسريين أو العلماء الثقات، تحقيقاً لمقصد الإصلاح.

حدود التدخل العائلي الإيجابي

التدخل العائلي المحمود هو الذي يبني ولا يهدم، ويصلح ولا يفسد. يجب أن يقتصر دور العائلة على تقديم النصح والإرشاد، وتقريب وجهات النظر، ومساعدة الزوجين على رؤية المشكلة من زوايا مختلفة. لا ينبغي للأهل أن يتخذوا قرارات نيابة عن الزوجين، أو أن يمارسوا ضغوطاً غير مبررة عليهما للقبول بحلول لا يرتضيانها.

من الأخطاء الشائعة أن يقوم أحد الزوجين بنقل كل تفاصيل الخلافات اليومية الصغيرة إلى أهله، مما يخلق صورة سلبية دائمة عن الطرف الآخر في أذهانهم، ويجعل من الصعب عليهم مسامحته أو تقبله لاحقاً حتى بعد أن يتصالح الزوجان. يجب أن يكون هناك فرز بين ما يمكن حله داخلياً وما يستدعي تدخل الحكماء.

لماذا نحتاج إلى “حكم من أهله وحكم من أهلها” اليوم؟

في ظل تعقيدات الحياة المعاصرة، وتزايد ضغوط العمل والمشكلات المادية والنفسية، أصبحت الخلافات الزوجية أكثر تعقيداً. الجيل الجديد قد يفتقر أحياناً إلى الخبرة والحكمة الكافية للتعامل مع الأزمات الكبرى. وجود مرجعية عائلية تتسم بالوعي والنضج يشكل شبكة أمان للأسرة الناشئة، تمنعها من الانهيار عند أول عاصفة.

كما أن هذا المنهج يذكرنا بأن الزواج ليس ارتباطاً بين فردين فقط، بل هو تداخل بين عائلتين ومجتمعين صغيرين. الحفاظ على هذا الكيان هو مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الزوجين لتشمل محيطهما الاجتماعي الداعم.

الخلاصة

منهج “حكم من أهله وحكم من أهلها” هو صمام أمان قرآني لحماية الأسرة من التفكك عند اشتداد الأزمات. دور العائلة الواعية والمحايدة يظل مهماً وحيوياً في الإصلاح، بشرط أن يتسم بالحكمة والعدل والرغبة الصادقة في التوفيق. الحفاظ على أسرار البيوت واجب، لكن الاستنجاد بأهل الحكمة عند الضرورة هو منتهى العقل والحرص على بقاء الود واستمرار الحياة المشتركة.

في الختام.. جسور من الوعي والتفاهم

عزيزتي، بيتكِ هو مملكتكِ الخاصة، وأسراره هي أسوار هذه المملكة. لا تشرعي أبوابها لكل عابر، ولا تجعلي من خلافاتكِ العابرة حديثاً للمجالس. ولكن، إذا عصفت رياح الشقاق القوية وهددت أركان البيت، فلا تترددي في الاستعانة بأهل الحكمة والرأي السديد من عائلتكِ وعائلته. ففي بعض الأحيان، نحتاج إلى عين ثالثة ترى ما تعمى عنه أعيننا في لحظات الغضب والانفعال.

هاشتاجات:

#هي_وأخواتها #دين_وحياة #الإصلاح_الأسري #الخلافات_الزوجية #حكم_من_أهله #تدخل_العائلة #الوعي_الأسري