صناعة القدوة: من نختار في زمن المؤثرين؟

كيف نحدد من يستحق الاقتداء به؟

يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً في أنماط التواصل وإدارة الفضاء العام، حيث أدى انفجار تكنولوجيا الاتصال وسيطرة منصات التواصل الاجتماعي إلى إعادة تعريف كثير من المفاهيم الاجتماعية والفكرية السائدة. ومن أبرز المفاهيم التي طالها هذا التغيير العميق مفهوم “القدوة”؛ فبعد أن كان النموذج الذي يُحتذى به يُستمد من قيم الفضل، والإنجاز المعرفي أو الأخلاقي، والعطاء المجتمعي المستدام، أصبحت الساحة مفتوحة أمام ما يُعرف بـ “صناعة التأثير” أو ظاهرة “المؤثرين” (Influencers).

هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية ونقدية حول الفوارق البنيوية بين القدوة الحقيقية والمؤثر الرقمي: هل كل من يملك ملايين المتابعين يمتلك بالضرورة مقومات القدوة؟ وكيف يمكن للمجتمعات والأسر إعادة صياغة بوصلة الاختيار والتأثر لدى الأجيال الجديدة في ظل طغيان الثقافة البصرية واقتصاد الانتباه؟ يقول العالم ألبرت أينشتاين: “المثال ليس هو الشيء الأساسي في التأثير على الآخرين، بل هو الشيء الوحيد”. وتكشف استطلاعات الرأي الحديثة أن 75% من المراهقين يعتبرون مشاهير الإنترنت مؤثرين على قراراتهم اليومية أكثر من معلميهم وأسرهم.


التحول المفاهيمي: من مفهوم القدوة إلى ظاهرة “المؤثر”

لتفكيك هذه الظاهرة، لا بد من التمييز الدقيق بين المفهومين من منظور علم الاجتماع وعلم النفس المعرفي:

  • القدوة (Role Model): مفهوم ينطوي على وجود نموذج إنساني يحمل منظومة قيمية صلبة، ويمتلك خبرات أو إنجازات حقيقية في مجالات كالعلم، الفكر، العمل الإنساني، أو القيادة الأخلاقية. القدوة تلهم الأفراد للسعي نحو الارتقاء السلوكي والمعرفي، وتتميز بالاتساق بين القول والفعل، والاستمرارية على مدى زمني طويل.
  • المؤثر (Influencer): نتاج مباشر لاقتصاد الانتباه وسوق الإعلام الرقمي. يعتمد التأثير هنا على القدرة على جذب الأنظار وحصد التفاعلات (الإعجابات والمشاركات) عبر محتوى سريع وغالباً ما يرتبط بنمط الحياة، الموضة، والترفيه. ليس بالضرورة أن يحمل المؤثر مشروعاً فكرياً أو إنجازاً حضارياً، بل يكمن ثقله في مدى قدرته على توجيه السلوك الاستهلاكي أو الترفيهي لجمهوره.

إن الخلط بين هذين المفهومين أدى إلى إرباك معايير التقييم المجتمعي؛ حيث باتت الشهرة السريعة والمظهر الخارجي بديلين عن العمق الفكري والإنجاز الحقيقي، مما يفرض إعادة النظر في الدوافع التي تجعل الفرد يختار نموذجاً لاتباعه.


الأثر النفسي والاجتماعي لسيادة النموذج الاستهلاكي

تنعكس سيادة نموذج “المؤثر الرقمي” على الأجيال الناشئة والشباب عبر أبعاد نفسية واجتماعية متعددة تستدعي التحليل والدراسة:

1. هشاشة التماهي والارتباك الهوياتي

يعتمد التماهي مع المؤثرين غالباً على الصورة الفائقة المثالية التي يُصدّرونها عبر الشاشات. وتشير الدراسات المسحية في علم النفس الاجتماعي إلى أن التعرض المستمر لصور الحياة الفارهة والمظهر المثالي غير الواقعي يؤدي إلى زيادة معدلات المقارنة الاجتماعية السلبية، وتدني مستوى رضا الأفراد عن حياتهم، وشعور متزايد بالقلق والاكتئاب.

2. تسطيح مفهوم النجاح

أدى اختزال النجاح في عدد المتابعين وحجم المكاسب المالية السريعة إلى تراجع قيمة الجهد التراكمي والتعلم والعمل الجاد. وبات التطلع نحو المهن التي تتطلب سنوات من التحصيل العلمي والتدريب الشاق يصطدم بنماذج تحقق الثراء والشهرة في أوقات قياسية دون تقديم قيمة مضافة حقيقية للمجتمع.

3. غياب المرجعيات الصلبة

تؤدي الميادين الرقمية المتغيرة إلى استبدال القدوات التقليدية (كالعلماء، والمفكرين، والأطباء، والمعلمين، والأهل) بنماذج متغيرة ومتقلبة باختلاف “الترند”. هذا السيال القيمي يُضعف البناء الأخلاقي والمعرفي للأجيال الجديدة، ويجعلها أكثر عرضة للاستقطاب والانسياق دون تفكير نقدي.


معايير القدوة الحقيقية: كيف نحدد من يستحق الاقتداء؟

في ظل الفوضى الرقمية وتعدد المصادر، يصبح من الضروري التسلح بمعايير موضوعية وعقلانية لتمييز القدوة الحقيقية التي تستحق الاتباع والاستلهام:

  1. الاتساق الأخلاقي والمبدئي: القدرة على التمسك بالقيم والمبادئ السامية في مختلف الظروف، والمطابقة بين السلوك المعلن في الفضاء العام والممارسة الفعلية في الحياة الخاصة.
  2. الأثر المستدام والقيمة المضافة: تقديم نفع حقيقي ومستدام للمجتمع، سواء أكان ذلك في شكل معرفة علمية، أفكار تنويرية، إنجازات تكنولوجية، أو خدمات إنسانية تنهض بالآخرين وتطور حياتهم.
  3. التجاوز الإيجابي للتحديات: تمثيل نموذج في الصبر، والإصرار، والتغلب على الصعوبات بشرف ونزاهة، وليس فقط استعراض النتائج المادية أو مظاهر الرفاهية.
  4. المسؤولية الاجتماعية والتواضع: الوعي الكامل بأهمية الكلمة والفعل وأثرهما في المجتمع، واقتران ذلك بالتواضع المعرفي والأخلاقي بدلاً من النرجسية والتعالي.

الآليات العملية لإعادة التوازن وتوجيه الأجيال

إن مواجهة التسطيح الناتجة عن سيادة المؤثرين لا تقتضي الدعوة إلى اعتزال التكنولوجيا أو منصات التواصل الاجتماعي، بل تتطلب استراتيجيات عمل ملموسة تشترك فيها مؤسسات المجتمع كافة:

  • تفعيل التفكير النقدي في التربية والتعليم: إدراج مهارات النقد الإعلامي (Media Literacy) ضمن المناهج الدراسية، لتمكين الطلاب من تحليل المحتوى الرقمي، وفهم خوارزميات المنصات، والتفرقة بين الرأي والواقعة، وبين الشهرة والاستحقاق.
  • إبراز النماذج الإيجابية في الفضاء الرقمي: تقديم صناع المحتوى الهادف من علماء، وباحثين، ومبدعين، وراد أعمال اجتماعيين بكفاءة إعلامية عالية تجذب الجمهور، ودعم حضورهم لينافسوا في سوق الانتباه.
  • النقاش الأسري المفتوح: بناء جسور الحوار داخل الأسرة حول الشخصيات التي يتابعها الأبناء، ومساعدتهم على تفكيك عناصر الإعجاب والاستلهام، واستكشاف ما إذا كانت هذه الشخصيات تقدم قيمة حقيقية أم مجرد إبهار بصري وقتي.
  • إعادة الاعتبار للقدوات القريبة: التركيز على القدوات الواقعية الملموسة في حياة الأبناء والشباب، مثل الآباء، والمعلمين، والشخصيات العصامية في البيئة المحيطة، وتعميق تواصل الشباب معهم.

خاتمة

إن الانتقال من “زمن القدوة” إلى “زمن المؤثرين” ليس مجرد تغيّر شكلي في أدوات التواصل، بل هو تحول بنيوي يمس الوعي الإنساني والمنظومة القيمية للمجتمعات. ورغم أن منصات التواصل أفرزت بعض المؤثرين الذين يقدمون محتوى نافعاً ومسؤولاً، إلا أن الاتباع الأعمى للشهرة المجردة يحمل مخاطر كبيرة على السلوك والوعي.

يبقى من حق الإنسان أن يستمتع بالمحتوى الترفيهي ويتابع ما يشاء، ولكن شتان بين من ينال متابعتنا اللحظية ومن يمنحنا الإلهام لنستشرف به مستقبلنا ونسير على خطاه. فالقدوة الحقيقية ليست بضعة مقاطع فيديو حاصدة للملايين، بل هي أثر أخلاقي وفكري إنساني يبني الشخصية ويبقى حياً عبر الزمان.